
(مصدر الصورة وحقوق النشر: ابراهيم حسن(فليكر، PDM)
شكّل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 منعطفاً جيوسياسياً حاسماً في الشرق الأوسط. فقد أشعل الهجوم الوحشي الذي شنته حماس على إسرائيل فتيل تصعيد إقليمي ذي تداعيات بعيدة المدى، ليس فقط على أمن إسرائيل، بل أيضاً على موازين القوى الهشة في سوريا وإيران وغيرها. ويكمن جوهر هذا الوضع في التدخل العسكري الإسرائيلي، الذي يُعدّ مثيراً للجدل دولياً بقدر ما هو ذو أهمية استراتيجية بالغة.
السياسة الوقائية الإسرائيلية: البقاء على قيد الحياة كسبب للوجود
في الديمقراطيات الغربية، تُنتقد العمليات العسكرية الإسرائيلية بشكل متكرر باعتبارها غير متناسبة. إلا أن هذا التقييم غالباً ما يتجاهل التهديد الوجودي الذي يواجه الدولة اليهودية باستمرار. فالتهديد المتكرر والمعلن صراحةً بإبادتها - لا سيما من قبل إيران ووكلائها - يُشكّل جوهرياً سياستها الأمنية.
من هذا المنظور، لا تبدو العمليات العسكرية التي أعقبت السابع من أكتوبر/تشرين الأول مجرد رد فعل على الإرهاب، بل كإجراءات وقائية ذات دوافع استراتيجية. فإلى جانب تدمير حماس، هدفت هذه العمليات إلى إحداث تحول طويل الأمد في موازين القوى الإقليمية، وذلك على سبيل المثال، من خلال إضعاف حزب الله وتعطيل خط الإمداد الشيعي بين طهران وبغداد ودمشق وبيروت.
الاضطرابات السورية: من حرب بالوكالة إلى إعادة توزيع السلطة
في هذا السياق، نشأ وضع جديد تمامًا بالنسبة لجماعات المعارضة في سوريا. فقد مكّن إضعاف النفوذ الإيراني، عبر الغارات الجوية الإسرائيلية والعمليات السرية، الثوار من تحقيق مكاسب استراتيجية حاسمة، وبالتالي الإطاحة بنظام الأسد. ويمكن الافتراض أن هذه العملية جرت بمشاركة غير رسمية، أو على الأقل بموافقة ضمنية، من جهات إقليمية لها مصلحة في إعادة تنظيم استراتيجي.
والنتيجة هي فراغ في السلطة يمثل في الوقت نفسه فرصة سانحة: فتفكيك المحور الشيعي لا يصب في مصلحة إسرائيل فحسب، بل في مصلحة الدول ذات الأغلبية السنية التي شعرت بالتهديد من التوسع الإيراني. ومن المرجح أن تكون السعودية والأردن والإمارات وقطر قد رحبت بهذا التحول. أما تركيا، فتعمل بدورها على تعزيز موقعها الجيوسياسي، لا سيما في قطاع الطاقة.
إيران: الحدود الاستراتيجية والمخاطر السياسية الداخلية
تتعرض الجمهورية الإسلامية لضغوط سياسية واقتصادية داخلية هائلة. ويصعب على نحو متزايد تبرير استمرار الدعم المكلف للميليشيات الأجنبية، سواء أكانت الحوثيين أو حزب الله أو الوحدات شبه العسكرية في سوريا، أمام الشعب الإيراني. وتشير الملاحظات الشخصية من عامي 2016 و2017 إلى أن الشعب الإيراني يسعى في الغالب إلى تحقيق أهداف عملية: الأمن، والاستقرار الاقتصادي، والحريات الفردية. ونظرًا لتزايد السخط الشعبي، لا يمكن استبعاد موجة جديدة من الاحتجاجات ضد النظام، لا سيما وأن القيادة لم تُقدم حتى الآن على أي إصلاحات جذرية.
التأثير على أوروبا: الأمن والطاقة والخيارات الاستراتيجية
تُتيح الديناميكيات الحالية فرصًا استراتيجية لأوروبا. ففي حال أجبرت حكومة سورية جديدة روسيا على إغلاق قواعدها العسكرية، سيضعف وجود موسكو في شرق المتوسط بشكل ملحوظ. وإذا ما اقترن ذلك باحتمال فرض تركيا حصارًا على مضيق البوسفور في حال نشوب أزمة، فسيؤدي ذلك إلى عزل أسطول البحر الأسود الروسي، وهو ما يُعد مكسبًا أمنيًا لحلف الناتو، وربما لأوكرانيا أيضًا.
علاوة على ذلك، تتفتح آفاق جديدة في قطاع الطاقة. فتطوير حقول الغاز بالتعاون مع إسرائيل ومصر وتركيا لا يُسهم فقط في تعزيز النشاط الإقليمي، بل يُسهم أيضاً بشكل كبير في تحقيق استقلال أوروبا في مجال الطاقة. وتبرز الحاجة الماسة إلى واردات موثوقة لدعم التحول الصناعي، لا سيما في ألمانيا، ويُعدّ استقرار منطقة البحر الأبيض المتوسط شرطاً أساسياً لتحقيق ذلك.
"محور المقاومة": ضعف، لكنه لم يُحيد
إن الضعف الأيديولوجي والعملياتي لما يُسمى "محور المقاومة" واضحٌ جليّ. ومع ذلك، لا ينبغي الاستهانة بقدرته المتبقية على العمل. وبينما يبقى احتمال عودته إلى قوته السابقة ضئيلاً على المدى القريب، فإن الشبكات الأيديولوجية وخطر التهديدات غير المتكافئة لا يزالان قائمين.
في الوقت نفسه، أدت النجاحات العسكرية الإسرائيلية إلى خلق مساحات عملياتية جديدة، كما هو الحال في المجال الجوي السوري. وتتيح هذه المساحات خيارات استراتيجية، بما في ذلك توجيه ضربات استباقية ضد البرنامج النووي الإيراني. ورغم ما قد تثيره هذه الإجراءات من جدل في الغرب، فإنها من وجهة نظر إسرائيلية تتبع منطق البقاء: فمن يواجه خطر الفناء باستمرار، عليه أن يتحرك قبل أن يتحول هذا الخطر إلى واقع.
وجهات نظر: هل يمكن إحداث تغيير من خلال الأزمات؟
على المدى البعيد، قد يُشكل الصراع الحالي - رغم ما قد يبدو عليه من تناقض - حافزًا للإصلاحات الاجتماعية. فإذا ما اضطرت إيران إلى تقليص طموحاتها في السياسة الخارجية، فقد يُفسح ذلك المجال أمام فرص للتغيير على الصعيد الداخلي. ومن النتائج المتوقعة، وإن لم تكن مضمونة، العودة إلى نهج الإصلاح وتعزيز احترام حقوق الإنسان وحقوق المرأة والحريات الدينية.
تُتيح سوريا أيضاً فرصة تاريخية: فبناء دولة شاملة يُمكن أن يُسهم في تحقيق استقرار طويل الأمد. ينبغي على الغرب التخلي عن فكرة إمكانية نقل نماذجه السياسية بشكل مباشر. والأهم من ذلك، يجب أن يقوم هذا النموذج على التعايش على قدم المساواة - اقتصادياً وسياسياً وثقافياً.
الخلاصة: هل إسرائيل هي القوة الدافعة وراء إعادة التنظيم الإقليمي؟
إن سقوط الأسد، وضعف المحور الشيعي، والفراغ الهش في الشرق الأوسط، كلها عوامل تنطوي على مخاطر، ولكنها قبل كل شيء، توفر فرصًا هائلة. وقد أسهمت دولة إسرائيل، من خلال تحركها الحاسم، إسهامًا كبيرًا في هذا النظام الجديد. وخلافًا لنوايا "محور المقاومة"، قد يؤدي هذا إلى فترة تغيير، تحمل في طياتها إمكانية تحقيق مزيد من الاستقرار والتنمية الاقتصادية، وتحسن تدريجي في وضع حقوق الإنسان.
إن التعايش السلمي بين الأمم ذات الأنظمة القيمية المختلفة ممكنٌ عندما تُعطى الأولوية للمصالح المشتركة على حساب الانقسامات الأيديولوجية. ولعلنا نشهد يوماً ما عودة التجار اليهود إلى العمل في حلب، والتفاعل مع الناس من جميع أنحاء العالم.
إذا كان هناك درس يمكن استخلاصه من مأساة 7 أكتوبر 2023، فهو هذا: لم تكن إسرائيل هدفاً للهجوم فحسب، بل أصبحت الشرارة لاضطراب أساسي، على الرغم من كل المصاعب، فتح آفاق نظام جديد في الشرق الأوسط.